عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

26

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

متماثلة كما قالته النصارى والهذيلية من المعتزلة ، ولا أحوال تعرف كما قالته البهشيمية ، ليس بجسم فيكون محدثا مركبا كما قالته المجسمة ، ولا جوهر فيكون محلا حاملا ، منزه عن الصفات الموجبة للحدوث والآفات موصوف بما وصف به نفسه ، هو ورسوله ، تعالى عن أن يكون في المخلوقات كما وصفه جهم ومتبعوه ، خلق آدم بيديه كما قال تعالى : يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، وكلتا يديه يمين ، كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] نفذت مشيئته كما سبق الأشياء علمه ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، خالق المحدثات وصانع المصنوعات ، كما قال تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان : 2 ] لا خالق معه يشاركه في خلقه ، كما قال : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] والخلق لا يستطيعون أن يخرجوا من علمه ولا يقدرون على اكتسابهم إلا بعونه ، وهم محتاجون إلى اللّه تعالى في كل جزء من أفعالهم في أن يعطيهم حولا وقوة ، وأن ما وجدوه من الإيمان والطاعات فبهدايته وتوفيقه ولطفه ، وما تركوه من السيئات فبعصمته وتسديده ، وما كان من كفرهم ومعصيتهم فبخذلانه ومشيئته ، يعترفون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه ، قال اللّه عز وجل : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ الأعراف : 188 ] وأن اللّه تعالى ينعم على من يشاء من خلقه ويؤلم من يشاء ، ويغني ويفقر ويؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء ، وهو في جميع ذلك عدل غير جائر ؛ لأنه المالك القاهر ، الذي كانت الأشياء به وليس فوقه آمر ولا زاجر ، بذلك نطق الكتاب ، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويعتقدون أنه تعالى يراه أولياؤه في الآخرة ، وأن الكافرين محجوبون عنه ، ويسألون النظر إلى وجهه الكريم تأسيا برسولهم ، وهو من أعظم نعيم أهل الجنة عندهم ، لا يوازنه نعمة ويقرون بعذاب القبر ويتعوذون باللّه منه ، ويرون أن السؤال في القبر حق والبعث بعد الموت حق ، والحساب والميزان حق ، وتطاير الكتب والحوض حق ، والوقوف بين يدي اللّه حق ، وشفاعة المصطفى حق لأهل الكبائر ، ويخافون على مسيئهم ويرجون لمحسنهم ، ولا يكفرون أهل المعاصي من الموجودين المؤمنين كما يكفرهم الخوارج ، ولا يخرجونهم من الإيمان كما يذهب إليه المعتزلة ، ولا أنهم لا يدخلون النار كما قال بعض المرجئة ، بل هم بين خوفه ورجائه ، ويكلون أمرهم إلى خالقهم فإن شاء عذبهم وإن شاء عفى عنهم ، ويؤمنون بإخراج قوم من النار بشفاعة المصطفى ، وإن لم تؤمن به المعتزلة ، وبعض الرافضة متبعون لكتاب ربهم ولما ثبت عن نبيهم ملازمون للجماعة